ابن كثير

94

البداية والنهاية

خراسان ، وخاف الحجاج من يزيد أن يصنع كما صنع ابن الأشعث من الخروج عليه وجمع الناس له ، وتحقق عنده قول الراهب . وأما يزيد بن المهلب فإنه سلك على البطائح وجاءته خيول كان قد أعدها له أخوه مروان بن المهلب لهذا اليوم ، فركبها وسلك بن دليل من بني كلب يقال له عبد الجبار بن يزيد ( 1 ) ، فأخذ بهم على السماوة ، وجاء الخبر إلى الحجاج بعد يومين أن يزيد قد سلك نحو الشام ، فكتب إلى الوليد يعلمه بذلك ، وسار يزيد حتى نزل الأردن ( 2 ) على وهيب بن عبد الرحمن الأزدي - وكان كريما على سليمان بن عبد الملك - فسار وهيب إلى سليمان بن عبد الملك فقال له : إن يزيد بن المهلب وأخويه في منزلي ، قد جاؤوا مستعيذين بك من الحجاج ، قال : فاذهب فأتني بهم فهم آمنون ما دمت حيا ، فجاءهم فذهب بهم حتى أدخلهم على سليمان بن عبد الملك ، فأمنهم سليمان وكتب إلى أخيه الوليد : إن آل المهلب قد أمنتهم ، وإنما بقي للحجاج عندهم ثلاثة آلاف ألف ، وهي عندي . فكتب إليه الوليد : لا والله لا أؤمنه حتى تبعث به إلي . فكتب إليه : لا والله لا أبعثه حتى أجئ معه ، فأنشدك الله يا أمير المؤمنين أن تفضحني أو تخفرني في جواري . فكتب إليه : لا والله لا تجئ معه وابعث به إلي في وثاق . فقال يزيد : ابعث بي إليه فما أحب أن أوقع بينك وبينه عداوة وحربا ، فابعثني إليه وابعث معي ابنك واكتب إليه بألطف عبارة تقدر عليها فبعثه وبعث معه ابنه أيوب ، وقال لابنه : إذا دخلت في الدهليز فادخل مع يزيد في السلسلة ، وادخلا عليه كذلك . فلما رأى الوليد ابن أخيه في السلسلة ، قال : والله لقد بلغنا من سليمان . ودفع أيوب كتاب أبيه إلى عمه وقال : يا أمير المؤمنين نفسي فداؤك لا تخفر ذمة أبي وأنت أحق من منعها ، ولا تقطع منا رجاء من رجا السلامة في جوارنا لمكاننا منك ، ولا تذل من رجا العز في الانقطاع إلينا لعزنا بك . ثم قرأ الوليد كتاب سليمان بن عبد الملك فإذا فيه : أما بعد يا أمير المؤمنين فوالله إن كنت لأظن لو استجار بي عدو قد نابذك وجاهدك فأنزلته وأجرته أنك لا تذل جواري ولا تخفره ، بل لم أجر إلا سامعا مطيعا ، حسن البلاء والأثر في الاسلام هو وأبوه وأهل بيته ، وقد بعثت به إليك فإن كنت إنما تعد قطيعتي واخفار ذمتي والابلاغ في مساءتي فقد قدرت إن أنت فعلت ، وأنا أعيذك بالله من احتراد قطيعتي وانتهاك حرمتي ، وترك بري وإجابتي إلى ما سألتك ، ووصلتي ، فوالله يا أمير المؤمنين ما تدري ما بقائي وبقاؤك ، ولا متى يفرق الموت بيني وبينك ، فإن استطاع أمير المؤمنين أدام الله سروره أن لا يأتي أجل الوفاة علينا إلا وهو لي واصل ولحقي مؤد ، وعن مساءتي نازع فليفعل ، ووالله يا أمير المؤمنين ما أصبحت بشئ من أمر الدنيا بعد تقوى الله بأسر مني برضاك وسرورك ، وإن رضاك

--> ( 1 ) في الطبري 8 / 72 عبد الجبار بن يزيد بن الربعة ، وفي ابن الأعثم 7 / 211 : عبد الرحمن بن عاصم . وفي ابن الأثير 4 / 546 : دليل من كلب . ( 2 ) في الطبري وابن الأثير : وسار يزيد حتى قدم فلسطين . وفي ابن الأعثم 7 / 211 : زهرة بن عبد الرحمن الأزدي هو الذي يأخذ لي الأمان من القوم .